د.دينا دياب تكتب/ثابت العباسي… حين يبقى رجل الدولة أكبر من المنصب
2026/08/26 1:14:48 مساءً
Oplus_131072
في السياسة، كثيرون تصنعهم المناصب، وقليلون يتركون في المنصب ما يبقى بعد مغادرته.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة تجربة الشيخ ثابت العباسي؛ فهي ليست مسيرة مسؤول انتقل بين مواقع الدولة فحسب، بقدر ما هي رحلة رجل تشكّلت شخصيته أولاً داخل المؤسسة العسكرية، وتعلّم فيها معنى الانضباط والمسؤولية وشرف الواجب، قبل أن ينتقل إلى العمل النيابي والرقابي، ثم يجد نفسه على رأس واحدة من أكثر مؤسسات الدولة العراقية حساسية: وزارة الدفاع.
هذا الانتقال من الميدان إلى الرقابة، ومن الرقابة إلى القرار التنفيذي، منح العباسي تجربة قلّما تجتمع لشخصية سياسية في مسار واحد؛ أن يعرف المؤسسة من داخلها، ثم يراقب أداء الدولة، ثم يتحمل مسؤولية القرار فيها.
ولعل أهم ما يمكن تسجيله في تجربته أن وزارة الدفاع في عهده لم تكن بالنسبة إليه مجرد موقع سيادي، بل مؤسسة ينبغي أن تُبنى على المدى البعيد. ولهذا ارتبطت تلك المرحلة بملفات تحديث الجيش، والتسليح، والتدريب، وإعادة تأهيل المنشآت والقواعد العسكرية، وتعزيز التعاون الدولي وتأمين الحدود، إلى جانب الاهتمام بعائلات الشهداء والجرحى ومشروعات الإسكان والاستقرار الاجتماعي لمنتسبي المؤسسة العسكرية.
لكن الإنجاز الإداري وحده لا يصنع صورة رجل الدولة.
ففي مراحل سياسية تتعرض فيها المؤسسات الكبرى إلى ضغوط التجاذب والانقسام، تصبح المحافظة على مهنية المؤسسة العسكرية بحد ذاتها موقفاً سياسياً ووطنياً. وقد قامت رؤية العباسي، كما ظهرت خلال تجربته، على فكرة شديدة الوضوح: أن الجيش يجب أن يبقى جيش العراق والدولة والشعب، بعيداً عن صراعات السياسة ومصالحها الآنية.
فبعض المسؤولين تبلغ صورتهم ذروتها وهم في المنصب، ثم تبدأ بالانحسار بعد مغادرته. أما رجل الدولة الحقيقي، فإن مغادرته المنصب قد تكون اللحظة التي يبدأ فيها الناس بإعادة قراءة تجربته بعيداً عن ضجيج السلطة واليوميات السياسية.
وعندها لا يعود السؤال: ماذا كان منصبه؟
بل يصبح السؤال الأهم:
ماذا ترك خلفه؟
هذه المسألة بالذات تبدو شديدة الأهمية في التجربة العراقية؛ لأن الذاكرة السياسية كثيراً ما تكون أسرع في تسجيل الأزمات من تسجيل الإنجازات، وأشد اهتماماً بالصراع من اهتمامها بالتجارب المؤسسية. ولذلك تضيع أحياناً مراحل كاملة من تاريخ الدولة بين الأخبار اليومية والتصريحات وردود الأفعال.
وثابت العباسي أمام لحظة مختلفة اليوم.
لقد خرج من المسؤولية التنفيذية، لكنه لم يخرج من المجال العام؛ بل انتقل إلى مساحة سياسية أوسع ترتبط برؤية لمستقبل الدولة، وسيادة القانون، والاستقرار، والشراكة الوطنية، وحصر السلاح بيد الدولة.
وهذا الانتقال يمنحه ما لا تمنحه الوزارة لأي مسؤول: مساحة النظر إلى التجربة كاملة.
أن يتحدث الإنسان عن تجربته وهو داخل المنصب أمر، وأن ينظر إليها بعد أن يصبح قادراً على رؤية قراراتها ونتائجها وما نجح منها وما كان يمكن أن يكون أفضل، أمر آخر تماماً.
وهنا تكمن قيمة الرجال الذين يمتلكون الشجاعة في أن يتركوا للأجيال روايتهم موثقة لا من أجل تمجيد الذات، بل لأن تاريخ الدولة لا ينبغي أن يبقى رهينة ذاكرة الآخرين وحدهم.
فالتاريخ، في النهاية، لا يحتفظ بكل شيء تلقائياً.
هناك تجارب كبيرة اختفت لأن أصحابها اعتقدوا أن الناس ستتذكرها وحدها، وهناك شخصيات أعيد اكتشافها بعد عقود لأن أحداً أدرك في الوقت المناسب أن الذاكرة تحتاج إلى من يحفظها.
وثابت العباسي اليوم يمتلك عناصر قصة عراقية مكتملة الملامح: ابن نينوى، العسكري، النائب والرقابي، وزير الدفاع، ثم السياسي الذي يحاول أن يواصل حضوره من بوابة مشروع الدولة. وهي مراحل تكشف تطوراً في المسؤولية أكثر مما تكشف انتقالاً بين المناصب.
وربما يكون هذا هو التحدي الأهم أمامه في المرحلة المقبلة:
ألا يسمح لضجيج السياسة اليومية بأن يختزل سنوات كاملة من تجربته في خبر، أو تصريح، أو خلاف عابر.
لأن الرجال الذين خدموا الدولة في لحظات صعبة يمتلكون مسؤولية أخرى لا تقل أهمية عن مسؤولية القرار:
مسؤولية أن يتركوا الحقيقة كاملة لمن سيأتي بعدهم.
فالمنصب مهما علا يبقى مؤقتاً، والسلطة مهما اتسعت لها زمن تنتهي عنده.
أما التجربة التي تُحفظ جيداً، والمواقف التي تُروى كما حدثت، والإنجاز الذي يوضع في سياقه الحقيقي، فإنها تتحول من سيرة مسؤول إلى جزء من ذاكرة الدولة.
ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى مع تجربة ثابت العباسي ليس فقط ماذا فعل عندما كان وزيراً للدفاع، بل:
كيف سيختار أن يترك هذه التجربة في ذاكرة العراق؟
فالوزارات تسجل أسماء من تولوها…
لكن التاريخ لا يتوقف طويلاً إلا عند الرجال الذين تركوا وراءهم ما يستحق أن يُروى.