دعوة غير اعتيادية من القاهرة إلى بغداد… هيئة النزاهة العراقية في قلب معركة حماية الدولة
2026/09/03 2:45:21 مساءً
بقلم :د . دينا دياب
لم تكن الدعوة التي قررت الأمانة العامة لقمة القاهرة للإبداع والتأثير 2026 توجيهها إلى هيئة النزاهة الاتحادية في جمهورية العراق دعوةً بروتوكولية لاستكمال قائمة الضيوف، ولا مشاركةً رمزية تضاف إلى برنامج القمة؛ بل جاءت بوصفها موقفاً عربياً يضع معركة العراق ضد الفساد في مكانها الحقيقي: معركة سيادية لحماية الدولة ومستقبلها.
فبعد متابعة دقيقة للمشهد العراقي، ودراسة حجم التحديات التي تواجه مؤسسات الدولة ومسارات الإصلاح والتنمية، ارتأت القمة توجيه دعوة غير اعتيادية إلى هيئة النزاهة الاتحادية، لتكون ضيف الشرف المؤسسي وصاحبة المحور الرئيس في أعمال القمة، المقرر انعقادها يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في قاعة المؤتمرات بفندق كارلتون في القاهرة، بمشاركة شخصيات ووفود ومؤسسات رسمية ومهنية وإعلامية من عشر دول عربية.
وقد وُجّهت الدعوة رسمياً إلى هيئة النزاهة الاتحادية، انطلاقاً من رؤية ترى أن الهيئة لا تؤدي وظيفة رقابية أو تحقيقية فحسب، بل تقف في الصف الأول من معركة وطنية تتصل مباشرةً بسيادة العراق، وهيبة مؤسساته، وحماية ثرواته، وثقة مواطنيه بالدولة.
فقد واجه العراق خلال العقود الماضية تحديات قاسية هددت أرضه ووحدته وأمنه، واستطاع أن يخوض معارك تاريخية دفاعاً عن وجوده وسيادته. لكنه يواجه اليوم خطراً مختلفاً في أدواته وأثره؛ خطراً لا يرفع راية، ولا يعلن حدوداً، ولا يتحرك في ساحات القتال، بل يتسلل إلى مؤسسات الدولة ومواردها وفرص أبنائها.
ذلك الخطر هو الفساد.
فالفساد لا يبدد المال العام وحده، بل يضعف هيبة القانون، ويعطل التنمية، ويشوّه بيئة الاستثمار، ويستنزف الخدمات، ويؤثر في ثقة المواطن بمؤسسات بلاده. ولذلك لم يعد التعامل معه شأناً إدارياً محدوداً، بل أصبح قضية أمن وطني ومعركةً لحماية الدولة من الداخل.
ومن هنا، جاء قرار قمة القاهرة بمنح هيئة النزاهة الاتحادية موقعاً قيادياً في برنامجها، اعترافاً بأن المؤسسة التي تتولى مواجهة الخطر البنيوي الأكبر الذي يهدد مشروع بناء الدولة العراقية تستحق أن تُمنح منبراً عربياً يوازي ثقل مسؤوليتها وحجم معركتها.
لا تهدف مشاركة هيئة النزاهة الاتحادية إلى تقديم صورة دعائية أو استعراض نشاطات إدارية، وإنما إلى وضع التجربة العراقية أمام الرأي العام العربي بوصفها تجربة دولة تدرك أن استقرارها السياسي والاقتصادي لا ينفصل عن النزاهة والمساءلة وحماية المال العام.
ولهذا خصصت القمة محورها الرئيس تحت عنوان:
«النزاهة وحماية الدولة: التجربة العراقية في مكافحة الفساد واسترداد الأموال»
وهو عنوان ينقل قضية الفساد من حدودها التقليدية إلى فضائها السيادي والاستراتيجي، ويمنح العراق فرصة لعرض رؤيته في حماية مقدراته، وملاحقة الأموال والأصول المتحصلة من الفساد، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ودعم الإصلاح المؤسسي، وتهيئة البيئة الآمنة للتنمية والاستثمار.
كما تتضمن الدعوة تخصيص كلمة رئيسية لرئيس الهيئة أو لمن يمثله من قياداتها العليا، وإتاحة مساحة مؤسسية لعرض أبرز مبادرات الهيئة ورؤيتها المستقبلية، فضلاً عن مشاركة وفدها في جلسات الحوار العربي واللقاءات المهنية والإعلامية التي ستعقد على هامش القمة.
دعوة تحمل اعترافاً عربياً
إن اختيار هيئة النزاهة الاتحادية ضيفَ الشرف المؤسسي لا يمثل تكريماً شكلياً، بل يحمل اعترافاً عربياً بأهمية الموقع الذي تشغله الهيئة داخل منظومة الدولة العراقية، وبثقل المسؤولية التي تتحملها في مواجهة ملف يعد من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.
فالدول لا تُحمى بالسلاح وحده؛ بل تُحمى أيضاً بعدالة مؤسساتها، ونزاهة إدارتها، وقدرتها على صون أموال شعبها، ومحاسبة من يعتدي عليها. وكل مبلغ يُسترد إلى خزينة الدولة هو استعادة لحق عراقي، وكل منفذ فساد يُغلق هو تحصين لمؤسسة وطنية، وكل إجراء وقائي يُعتمد هو خطوة في طريق بناء دولة أكثر قوة واستقراراً.
وإذا كانت مكافحة الإرهاب قد حمت أرض العراق ووجوده، فإن مكافحة الفساد تحمي ثمرة ذلك الانتصار، وتصون الدولة التي دافع العراقيون عنها، وتمنع استنزاف مواردها من الداخل.
لهذا، تنظر قمة القاهرة إلى مشاركة هيئة النزاهة باعتبارها رسالةً تتجاوز حدود المؤتمر؛ رسالة تقول إن العراق الذي انتصر في معاركه الكبرى قادر على أن يخوض معركة الإصلاح بإرادة مؤسساتية، وإن حماية المال العام ليست ملفاً ثانوياً، وإنما جزء أصيل من حماية السيادة الوطنية.
من القاهرة… منصة عربية لصوت العراق
تريد القمة أن تمنح التجربة العراقية مساحةً عربية تليق بأهميتها، وأن تستمع الوفود والمؤسسات والإعلام العربي مباشرةً إلى رؤية هيئة النزاهة، بعيداً عن الصور النمطية والقراءات المجتزأة.
كما تسعى إلى تحويل المشاركة إلى بداية لمسار أوسع من التعاون وتبادل الخبرات بين الهيئة والمؤسسات الرقابية والقانونية العربية، ولا سيما في مجالات استرداد الأموال، ومواجهة الفساد العابر للحدود، والتحول الرقمي، والوقاية المؤسسية، وتعزيز الشفافية وثقافة النزاهة.
وقد أكدت الأمانة العامة للقمة أن جميع التفاصيل المتعلقة بمشاركة الهيئة، ومضمون المحور الرئيس، والمواد الإعلامية، واللقاءات الصحفية، والترتيبات البروتوكولية، ستخضع لتنسيق كامل ومسبق مع هيئة النزاهة الاتحادية، بما يحفظ مكانتها السيادية ويضمن ظهورها بالصورة المؤسسية التي تليق باسم العراق.
انها دعوة للهيئة لكي تقود من القاهرة خطاباً عربياً جديداً يؤكد أن النزاهة ليست شعاراً أخلاقياً فحسب، وإنما ركيزة لحماية الدولة وشرطاً لبقائها قوية وقادرة وعادلة.
إن حضور الهيئة سيمنح قمة القاهرة عمقاً مؤسسياً ورسالة وطنية وعربية استثنائية، وسيضع أمام العالم العربي نموذجاً عراقياً يواجه الفساد بإرادة الدولة وأدوات القانون.
وتترقب القمة موافقة هيئة النزاهة الاتحادية على هذه المشاركة الاستثنائية؛ لأن وجودها لن يكون إضافةً إلى برنامج القمة فحسب، بل سيكون إعلاناً عربياً من القاهرة بأن العراق ليس وحيداً في معركته، وأن حماية مقدراته ودعم مؤسساته الرقابية مسؤولية تستحق التقدير والإسناد والاحترام.
إنها دعوة غير اعتيادية؛ لأنها موجهة إلى مؤسسة تخوض معركة غير اعتيادية، دفاعاً عن دولة بحجم العراق، وثروات شعبه، وحقوق أجياله، ومستقبل وطنه.