شئون خارجيةعاجلمقالات
د.قيس الرضوانى يكتب: العراق يعيد تعريف الأمن ..من قلب بغداد
في عالمٍ تتعقّد فيه الأزمات، ويغدو الأمن مسألة وعي لا سلاح، تقف بعض الدول عند حافة الفوضى، فيما تختار أخرى أن تعيد ترتيب ذاكرتها الاستراتيجية من الداخل… وأن تؤسس لمستقبل لا ينهار مع أول اهتزاز.
من قلب بغداد، وفي زمنٍ ما زال يتعافى من حروب لم تُطفأ نيرانها بعد، نشأ مركز التميز في مستشارية الأمن القومي العراقي كمشروع فريد لا يشبه المراكز التقليدية للأبحاث أو المؤسسات الأمنية. إنه عقل الدولة حين تريد أن تُفكّر… لا أن ترد فقط.
مركز التميز لا يحرس الحدود، بل يرسُمها وعيًا

فالحديث عن مركز التميز ليس استعراضًا لأجهزة أمنية، بل هو غوص في فلسفة جديدة من الأمن الشامل، حيث تصبح الدراسة جزءًا من الدفاع، والمعرفة حائطًا منيعًا في وجه التطرف والانهيار.
يعمل المركز على تقديم المشورة الإستراتيجية لصنّاع القرار، وعلى تحليل التحديات بعين الباحث لا ببندقية الجندي. هو الذي أشرف على ملفات كادت أن تشطر العراق اجتماعيًا، مثل ملف عوائل مخيم الهول، حيث أعاد دمج مئات النساء والأطفال الذين ظلّوا في العراء بين تطرفٍ رفضهم، ومجتمعٍ خائف منهم.
كان ذلك، في نظر المركز، معركة أمنية–إنسانية–نفسية، خاضها بصمت، ونجح فيها من دون ضجيج.
لم يكن هذا المركز جهازًا إداريًا، بل جسدًا ينبض بأفكار متقدمة عن دور الدولة الحديثة.
صاغ استراتيجية أمن الطاقة الوطنية، التي تبنّتها الحكومة بعد عرضها في مجلس الأمن الوطني، واضعًا بذلك مثالًا حيًا على أن التفكير المؤسسي يمكن أن يسبق الفعل السياسي… وأن الأمن لا يُختصر في جدار عالٍ، بل في فكرة أعمق منه.
كما سعى المركز لتوسيع مفهوم “الأمن القومي” ليشمل الصحة، المناخ، والمجتمع الرقمي، فنظّم مؤتمرات مشتركة بين بغداد وأربيل لبحث تأثير التغير المناخي على الأمن الصحي، وأطلق مبادرات للمحتوى الرقمي التوعوي لمحاربة الخطابات المتطرفة على الإنترنت.
سعيد الجياشي… حين يكون المستشار حارسًا للفكرة

وراء كل مؤسسة مؤثرة… عقلٌ يُحسن الإصغاء للتاريخ، ويجيد مخاطبة المستقبل.
الاستاذ سعيد الجياشي، مستشار الشؤون الاستراتيجية في مستشارية الأمن القومي ورئيس مركز التميز، لم يكن مجرد مسؤول، بل كان حارسًا لفكرة “الدولة الواعية”، ومهندسًا لعدد من الرؤى التي انتقلت من الورق إلى دوائر القرار.
قليل الظهور… كثير الفعل. قاد بصمت الملفات الحساسة التي تجنّب العراق بسببها كوارث إعلامية ونفسية وأمنية. لا يسكنه هاجس السلطة، بل شغف المنهج.
عندما يتفوق الوعي على الفوضى
ليست الحرب هي ما يصنع أمن الدول، بل قدرتها على أن تُعيد تعريف نفسها وسط الركام.
ومركز التميز، بما هو عليه اليوم، يمثّل جيلًا جديدًا من المؤسسات العربية… التي لا تستخدم السلطة بقدر ما تستخدم الفكرة… ولا تبني السلاح بقدر ما تبني الإنسان.
إنه مختبر دولة، وجسر إلى المستقبل… لا خوفًا من الانهيار، بل إيمانًا بأن العراق يستحق أمنًا يُصاغ بالعقل، لا يُفرَض بالقوة.
Oplus_131072



