الأخبارشئون خارجيةعاجل

لماذا تضع قمة القاهرة تجربة محمد شياع السوداني تحت مجهر النخب العربية؟

كتبت:د.دينا دياب

قبل أسابيع قليلة من انعقاد قمة القاهرة للإبداع والتأثير في السابع من أغسطس المقبل، يبرز على جدول أعمالها محور استثنائي بدأ يستقطب اهتمام الأوساط السياسية والفكرية العربية، بعد إعلان اللجنة المنظمة تخصيص جلسة رئيسية رفيعة المستوى لمناقشة التجربة العراقية في إدارة الدولة خلال مرحلة رئيس مجلس الوزراء السابق، المهندس محمد شياع السوداني، بمشاركة نخبة من الدبلوماسيين والمحللين السياسيين وخبراء الحوكمة من خمس دول عربية.

ولا تكمن أهمية هذا المحور في كونه يتناول تجربة حكومية عراقية فحسب، بل في كونه يعكس تحولًا في طبيعة النقاش العربي حول الدولة الحديثة. فبعد سنوات انشغلت فيها مراكز الدراسات بتحليل الأزمات والصراعات وموازين القوى، بات الاهتمام يتجه بصورة متزايدة إلى دراسة فلسفة الإدارة التنفيذية، وقدرة الحكومات على تحويل البرامج إلى نتائج، والرؤى إلى مؤسسات، والخطط إلى إنجازات قابلة للقياس.

وفي هذا السياق، تبدو التجربة العراقية واحدة من التجارب التي أثارت اهتمام الباحثين والمتخصصين في الإدارة العامة، ليس بوصفها تجربة سياسية فقط، وإنما باعتبارها نموذجًا يستحق الدراسة من زاوية الحوكمة، وإدارة الأولويات، وبناء المؤسسات.

من إدارة الأزمات إلى إدارة الأولويات

بحسب الأوراق التحضيرية للقمة، فإن الجلسة المرتقبة لن تنشغل باستعراض الأحداث السياسية بقدر ما ستحاول الإجابة عن سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن لحكومة تعمل في بيئة معقدة أن تعيد توجيه بوصلة الدولة نحو الملفات التنفيذية والخدمية؟

وسيتناول المشاركون كيفية سعي الحكومة آنذاك إلى تحويل شعار «حكومة الخدمة الوطنية» من عنوان سياسي إلى منهجية عمل تنفيذية، ومدى انعكاس ذلك على أولويات الدولة، وإدارة المشاريع، وتسريع تنفيذ البرامج الحكومية، وتعزيز العلاقة بين الأداء المؤسسي وثقة المواطنين.

كما ستبحث الجلسات العلاقة بين التنمية والاستقرار، ومدى قدرة المشاريع الخدمية والاستثمارية على أن تصبح إحدى أدوات ترسيخ الاستقرار وتعزيز كفاءة الدولة، في إطار قراءة مهنية تستند إلى التجربة العملية وما أفرزته من نتائج.

هل تتشكل مدرسة عربية في الإدارة التنفيذية؟

أحد أبرز الأسئلة التي يُنتظر أن تطرحها جلسات القمة يتمثل في ما إذا كانت بعض التجارب الحكومية العربية، ومن بينها التجربة العراقية، تسهم في بلورة ملامح مدرسة جديدة في الإدارة التنفيذية، تقوم على سرعة الإنجاز، والمتابعة الميدانية، وقياس الأداء، وربط القرار التنفيذي بمؤشرات واضحة.

وفي هذا الإطار، سيناقش المشاركون جملة من الممارسات الإدارية التي ارتبطت بتلك المرحلة، من بينها:

* تكثيف المتابعة الميدانية للمشاريع وتقليص الفجوة بين القرار والتنفيذ.

* تعزيز ثقافة مؤشرات الأداء وقياس نسب الإنجاز في المؤسسات التنفيذية.

* إعادة ترتيب الأولويات الحكومية بما يوازن بين الاحتياجات الخدمية ومتطلبات التنمية الاقتصادية.

* اعتماد مقاربة تنفيذية تسعى إلى المواءمة بين الإمكانات المتاحة والطموحات التنموية.

ولا تستهدف هذه المناقشات إصدار أحكام سياسية أو تقديم تقييم نهائي للتجربة، بقدر ما تسعى إلى فهم عناصرها، وتحليل أدواتها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تثري النقاش العربي حول الحوكمة والإدارة العامة.

الاقتصاد بوصفه أحد مرتكزات السيادة

ومن المنتظر أن يحظى البعد الاقتصادي بحيز مهم من الحوار، ولا سيما المبادرات الاستراتيجية التي طُرحت خلال تلك المرحلة، وفي مقدمتها مشروع طريق التنمية، الذي أعاد طرح العراق بوصفه محورًا اقتصاديًا ولوجستيًا يربط الخليج بتركيا وأوروبا.

وسيناقش الخبراء المشروع من منظور يتجاوز البنية التحتية والنقل، ليركز على أثره في إعادة تعريف موقع العراق ضمن معادلات الاقتصاد الإقليمي، وعلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المشروعات الاستراتيجية في تعزيز المكانة الجيو-اقتصادية للدول.

ومن هذا المنطلق، يفتح المحور نقاشًا أوسع حول مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين، بوصفها لم تعد ترتبط بالأبعاد السياسية والأمنية وحدها، وإنما أصبحت تقاس أيضًا بقدرة الدولة على بناء شراكات اقتصادية مستدامة، وجذب الاستثمارات، وتحويل موقعها الجغرافي إلى عنصر قوة في علاقاتها الإقليمية والدولية.

لماذا تحظى التجربة بهذا الاهتمام؟

قد لا يكون السؤال الأهم الذي ستطرحه قمة القاهرة هو ما إذا كانت تجربة محمد شياع السوداني قد نجحت أو أخفقت، بل لماذا أصبحت هذه التجربة، بعد انتهاء ولايتها، موضوعًا للنقاش في محفل عربي يضم دبلوماسيين وخبراء في الإدارة والحوكمة.

فحين تتحول تجربة حكومية من إطارها الوطني إلى موضوع للدراسة المقارنة، فإنها تنتقل إلى مرحلة جديدة من التأثير، تتجاوز السياسة اليومية إلى فضاء المعرفة المؤسسية، حيث تصبح عناصرها موضع تحليل، وتُقارن بتجارب أخرى، ويُنظر إليها باعتبارها مصدرًا للدروس والخبرات، سواء في جوانب النجاح أو في التحديات التي واجهتها.

ما بعد القاهرة… نحو ثقافة عربية لتوثيق التجارب التنفيذية

قد تكون القيمة الأهم لهذا المحور أنه يؤسس لنهج عربي جديد في قراءة التجارب الحكومية؛ نهج لا يكتفي بالاحتفاء أو النقد، بل يتعامل مع الخبرات التنفيذية باعتبارها رصيدًا معرفيًا يستحق التوثيق والتحليل والمقارنة.

ومن هذه الزاوية، تبدو الجلسة المخصصة للتجربة العراقية أكثر من مجرد استعراض لمرحلة حكومية؛ إنها محاولة لاستكشاف الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الإدارة التنفيذية إلى رافعة لبناء الدولة، وتعزيز الحوكمة، وربط التنمية بالاستقرار، وإعادة صياغة مفهوم السيادة من خلال الأداء المؤسسي والقدرة على الإنجاز.

وبغض النظر عن تباين القراءات السياسية، فإن مجرد إدراج تجربة الحكومة العراقية خلال مرحلة المهندس محمد شياع السوداني على جدول أعمال قمة عربية متخصصة، يعكس اتساع الاهتمام الإقليمي بدراسة النماذج التنفيذية العربية، ويؤكد أن مستقبل الحوار حول الدولة في المنطقة لم يعد يدور حول السياسة وحدها، بل أصبح يشمل الإدارة، والحوكمة، والتنمية، بوصفها الركائز الحقيقية لبناء الدول الحديثة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى