الأخبارشئون خارجيةعاجل

من يكتب رواية حقبة محمد شياع السوداني؟

حين تكون معركة الذاكرة أصعب من معركة الإنجاز

بقلم: د. دينا دياب

لا تواجه التجارب السياسية خطر الإخفاق وحده فقد تنجح حكومة في تحريك ملفات ظلت جامدة لسنوات، وتطلق مشروعات تتجاوز عمرها الدستوري، ثم تخسر معركة الذاكرة لأنها لم تكتب روايتها في الوقت المناسب.

فالمنجز، مهما كان كبيراً، لا يحمي نفسه بنفسه. والمشروعات لا تحتفظ دائماً بأسماء الذين اتخذوا قراراتها الأولى، ولا تشرح الطرق والجسور والموانئ للأجيال كيف انتقلت من فكرة مؤجلة إلى سياسة دولة. وإذا لم تُجمع القرارات والمشروعات والعقبات في رواية موثقة ومتماسكة، فإنها تبقى موزعة بين الأخبار اليومية، وصور الافتتاح، والبيانات الرسمية التي تنتهي أهميتها بانتهاء يوم نشرها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل المهتمين بتاريخ العراق السياسي الحديث:

من يكتب رواية حقبة محمد شياع السوداني؟

ليس المقصود كتابة رواية تمجيدية تضع الرجل فوق النقد، ولا إنتاج خطاب سياسي يختزل الدولة في شخص واحد؛ بل بناء ذاكرة وطنية عادلة توثق مرحلة شهدت محاولات جادة لنقل العراق من إدارة الضرورات اليومية إلى التفكير بمشروعات استراتيجية بعيدة المدى.

ولا يمكن تقييم حقبة السوداني من خلال موقف سياسي مسبق، ولا عبر خبر سلبي أو إيجابي منفرد.

فالحكومات لا تُقاس بتصريح أو أزمة عابرة، وإنما بالاتجاه الذي حاولت أن تدفع الدولة نحوه، وبالقرارات التي اتخذتها، والمشروعات التي أطلقتها، والعقبات التي واجهتها، وبما تركته للحكومات التي جاءت بعدها.

لقد تسلم محمد شياع السوداني مسؤولية رئاسة الحكومة في بيئة عراقية معقدة؛ مؤسسات تعاني التراكم الإداري، واقتصاد يعتمد بصورة واسعة على الإيرادات النفطية، وبنى تحتية لم تواكب النمو السكاني، ونظام سياسي تتقاطع داخله المصالح والضغوط المحلية والإقليمية والدولية.

ولم يكن المطلوب منه إدارة مؤسسات الدولة فحسب، بل محاولة استعادة ثقة المواطن بقدرة الحكومة على اتخاذ القرار وتحويله إلى مشروع قابل للمشاهدة والقياس.

ولهذا فإن أهم ما يستحق الدراسة في تجربة السوداني ليس عدد الافتتاحات أو الاجتماعات، بل محاولته إعادة الاعتبار إلى مفهوم القرار التنفيذي؛ أي انتقال الحكومة من موقع انتظار الأزمات إلى موقع المبادرة، ومن معالجة النتائج إلى محاولة التعامل مع أسبابها.

طريق التنمية… إعادة تعريف موقع العراق

يأتي مشروع طريق التنمية في مقدمة المشروعات التي ارتبطت بحقبة السوداني، ليس بسبب حجمه الاقتصادي وحده، بل لما يحمله من تصور جديد لدور العراق في المنطقة والعالم.

فالعراق ظل لعقود يُقرأ من خلال النفط والصراعات وموقعه بين القوى الإقليمية، بينما جاء طريق التنمية ليعيد تقديم الجغرافيا العراقية باعتبارها فرصة اقتصادية واستراتيجية.

الفكرة تتجاوز إنشاء طريق أو خط للسكك الحديدية؛ إنها محاولة لربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية، وتحويل العراق إلى ممر للتجارة بين آسيا وأوروبا، وما يترتب على ذلك من مدن صناعية وخدمات لوجستية واستثمارات وفرص عمل وتحولات في طبيعة الاقتصاد العراقي.

ولا تعني الإشادة بالمشروع الادعاء بأنه اكتمل، أو أن طريق تنفيذه خالٍ من التحديات. فالمشروعات العابرة للحكومات تحتاج إلى تمويل وإدارة وبيئة استثمارية مستقرة وتوافقات داخلية وإقليمية.

لكن الإنصاف يقتضي تسجيل أن المشروع تحول في حقبة السوداني من طموح مؤجل إلى عنوان استراتيجي للدولة العراقية، وإلى محور للحوار والتعاون مع دول المنطقة.

وهنا تحديداً تظهر أهمية التوثيق: فالمشروع قد يكتمل بعد سنوات وفي عهد حكومات أخرى، لكن الذاكرة الوطنية يجب أن تحتفظ بالمرحلة التي تحوّل فيها إلى قرار سياسي واستراتيجي واضح.

ميناء الفاو… مشروع يتجاوز الأرصفة

يمثل ميناء الفاو الكبير أحد أبرز الاختبارات لقدرة العراق على الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير الثروة الخام إلى اقتصاد يستثمر موقعه الجغرافي.

ولا تكمن أهمية الميناء في منشآته وأرصفته فقط، بل في كونه نقطة الانطلاق الأساسية لمشروع اقتصادي أوسع، يرتبط بالنقل والتجارة والصناعة والاستثمار الإقليمي.

وقد تعاملت حكومة السوداني مع الميناء باعتباره جزءاً من رؤية متكاملة، لا مشروعاً منفصلاً عن بقية البنى التحتية. وهذا الربط بين الميناء وطريق التنمية هو ما منح المشروع بعده الاستراتيجي.

إن توثيق هذه المرحلة لا ينبغي أن يكتفي بالصور الجوية للميناء، بل يجب أن يعود إلى أصحاب القرار والمهندسين والمخططين، وأن يشرح العقبات الفنية والمالية والسياسية التي واجهت التنفيذ، وكيف جرى التعامل معها.

فالوثيقة الحقيقية لا تعرض النتيجة وحدها، بل تحفظ الطريق الذي قاد إليها.

بغداد ومحاولة فك الاختناق المزمن

لوقت طويل، تحولت الاختناقات المرورية في بغداد إلى صورة يومية لعجز الدولة عن مواكبة توسع العاصمة وزيادة عدد سكانها ومركباتها.

وجاءت حزم مشروعات فك الاختناقات المرورية لتشكل محاولة عملية للتعامل مع هذه المشكلة من خلال الجسور والأنفاق والمجسرات والطرق الجديدة.

وقد يختلف المواطنون بشأن أثر كل مشروع، أو بشأن الأولويات والكلف وسرعة التنفيذ، لكن من الصعب إنكار أن بغداد شهدت خلال تلك المرحلة حركة إنشائية واسعة، وأن ملف النقل الحضري عاد إلى مقدمة الاهتمام الحكومي بعد سنوات من التأجيل.

كما أُعيد طرح مشروعات النقل الكبرى، وفي مقدمتها مترو بغداد، ضمن تصور يهدف إلى تقديم حلول تتجاوز المعالجات الجزئية.

وهنا أيضاً يجب أن يكون التقييم منصفاً: فالمشروع المتعاقد عليه ليس إنجازاً مكتملاً، والقرار الأول لا يساوي النتيجة النهائية، لكن كل إنجاز كبير يبدأ بقرار، وكل مشروع استراتيجي يحتاج إلى حكومة تخرجه من الأدراج وتضعه في مسار التنفيذ.

العراق أولاً… سياسة التوازن الصعب

واجهت حكومة السوداني بيئة إقليمية شديدة التعقيد، في ظل تصاعد الأزمات والصراعات وتداخل المصالح الدولية في المنطقة.

وكان العراق مطالباً بالحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة، وإدارة علاقته مع إيران، وتطوير انفتاحه العربي، ومنع أراضيه من التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات.

لم تكن هذه المعادلة سهلة، ولم يكن ممكناً حلها بشعار أو تصريح. لكنها أظهرت توجهاً واضحاً نحو اعتماد مصلحة العراق معياراً أساسياً في بناء العلاقات الخارجية.

لقد حاول السوداني تقديم العراق بوصفه دولة قادرة على الحوار مع أطراف مختلفة، من دون الانضمام بصورة كاملة إلى محور ضد آخر، ومن دون التفريط في مصالحه الوطنية.

وقد لا تكون سياسة التوازن قد نجحت في إنهاء جميع التأثيرات الخارجية أو ضبط كل مظاهر السلاح خارج المؤسسات، لكن التجارب السياسية لا تُقاس دائماً بما استطاعت إنهاءه بصورة كاملة؛ بل بالاتجاه الذي حاولت تثبيته داخل مؤسسات الدولة.

والاتجاه الذي سعت إليه حكومة السوداني كان واضحاً: العراق ليس ساحة، والعلاقة مع الآخرين ينبغي أن تُبنى على المصالح المشتركة واحترام السيادة.

الإصلاح المالي والمصرفي… بداية مسار شاق

من الملفات التي دخلتها حكومة السوداني ملف النظام المصرفي والتحويلات المالية، وهو أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العراق.

فإصلاح القطاع المصرفي لا يتحقق بقرار واحد، ولا تظهر نتائجه في فترة قصيرة. إنه مسار يتطلب إعادة هيكلة المصارف الحكومية، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ورفع قدرة المصارف العراقية على التعامل مع النظام المالي الدولي.

وقد بدأت في تلك المرحلة خطوات إصلاحية وإدارية ورقابية مهمة، إلا أن الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن القطاع المصرفي ما زال يحتاج إلى عمل طويل حتى يتحول إلى رافعة حقيقية للاقتصاد والاستثمار.

لكن وجود التحديات لا يلغي أهمية فتح الملف، كما أن عدم اكتمال الإصلاح لا يعني أن بدايته كانت بلا قيمة.

المشكلة التي تواجه العراق ليست في نقص الأموال فقط، بل في ضعف النظام الذي يدير الأموال ويوجهها نحو الاستثمار والإنتاج. ولذلك فإن أي محاولة لإصلاح القطاع المصرفي تمس جوهر بناء الدولة، لا هامشها الإداري.

الفساد بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية

لا يمكن الحديث عن أي حكومة عراقية من دون التوقف عند ملف الفساد.

وقد واجهت حكومة السوداني انتقادات تتعلق بشبهات وملفات طالت بعض المسؤولين أو المؤسسات العاملة في عهدها. ومن الخطأ تجاهل هذه الانتقادات أو التعامل معها بوصفها مؤامرة سياسية في كل الأحوال.

لكن من الخطأ أيضاً تحميل رئيس الحكومة المسؤولية الجنائية المباشرة عن كل تصرف يرتكبه وزير أو مدير أو موظف.

رئيس الحكومة يتحمل مسؤولية سياسية وإدارية عن اختيار المسؤولين، ومتابعة المؤسسات، وبناء منظومات تمنع الفساد، وإحالة الملفات إلى الجهات الرقابية والقضائية.

أما التحقيق والإدانة وتحديد المسؤولية الجنائية، فهي من اختصاص القضاء وهيئات الرقابة والنزاهة، ولا يجوز أن تحسمها الحملات الإعلامية أو الخصومات السياسية.

إن الدفاع المهني عن تجربة السوداني لا يكون بإنكار الأخطاء، بل بوضع المسؤوليات في إطارها الصحيح، والتمييز بين مسؤولية رئيس الحكومة عن بناء النظام ومراقبته، ومسؤولية الأفراد عن الأفعال التي ارتكبوها.

كما أن إحالة الملفات إلى الجهات المختصة تمثل جزءاً من مسؤولية السلطة التنفيذية، بينما يبقى إصدار الأحكام من اختصاص القضاء وحده.

المشكلة لم تكن في غياب الأخبار

لم تعانِ حكومة السوداني من غياب النشاط الإعلامي، فقد نُشرت آلاف الأخبار والصور والتصريحات عن الاجتماعات والمشروعات والزيارات والافتتاحات.

لكن كثرة الأخبار لا تعني وجود رواية متكاملة.

لقد ظهر كل مشروع غالباً بوصفه حدثاً منفصلاً: طريق، جسر، ميناء، اجتماع مصرفي، اتفاق اقتصادي أو زيارة خارجية.

أما السؤال الذي لم يصل دائماً إلى المواطن بوضوح فهو:

ما الرؤية التي تجمع هذه المشروعات والقرارات؟

هل كانت الغاية بناء دولة خدمات؟

أم تحويل العراق إلى مركز للتجارة والنقل؟

أم إعادة التوازن إلى علاقاته الخارجية؟

أم تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط؟

ربما كانت الرؤية تشمل هذه الأهداف مجتمعة، لكن غياب البناء الإعلامي الجامع جعل كثيراً من المواطنين يرون الوقائع منفردة من دون إدراك الصورة الاستراتيجية الكاملة.

والإعلام السياسي الفاعل لا يكتفي بإعلان ما أنجزته الحكومة، بل يشرح لماذا اتخذ القرار، وكيف يرتبط بما قبله وما بعده، وما أثره المتوقع في حياة المواطن ومستقبل الدولة.

التوثيق ليس دعاية

لا تحتاج حقبة السوداني إلى فيلم مديح، ولا إلى عمل احتفالي تتراكم فيه الموسيقى والخطب والصور الرسمية.

ما تحتاجه هو وثيقة سياسية وتاريخية وبصرية تضع التجربة أمام العراقيين والعرب كما كانت: بإنجازاتها، وتعقيداتها، ونجاحاتها، وأخطائها، والمشروعات التي اكتملت، وتلك التي بقيت في طور التنفيذ.

التوثيق المهني يجب أن يعود إلى مواقع المشروعات، وإلى محاضر القرار، وشهادات المهندسين والمسؤولين والخبراء والمواطنين.

يجب أن يسأل كيف وُلد مشروع طريق التنمية، وما علاقة ميناء الفاو به، وما الذي تحقق في مشروعات بغداد، وكيف أُديرت التوازنات الإقليمية، وإلى أين وصلت الإصلاحات المصرفية، وما الملفات التي نجحت الحكومة فيها، وأين واجهت التعثر أو التأخير.

الفيلم الذي يتجنب الأسئلة الصعبة يفقد قيمته التاريخية، كما أن الفيلم الذي يتجاهل المنجزات يتحول إلى وثيقة خصومة لا وثيقة دولة.

أما العمل الحقيقي فهو الذي يمنح المشاهد الوقائع والوثائق والشهادات، ثم يترك له حق التقييم.

لماذا تحتاج التجربة إلى قراءة عربية؟

لا تخص تجربة السوداني العراق وحده.

فمشروعات مثل طريق التنمية وميناء الفاو ترتبط بمستقبل التجارة والنقل والاقتصاد في المنطقة، كما أن سياسة التوازن التي حاول العراق اتباعها تمثل نموذجاً مهماً لدولة تقع في قلب الصراعات الإقليمية وتحاول استعادة قرارها الوطني.

ومن هنا تأتي أهمية تخصيص محور عربي رئيس في قمة القاهرة للإبداع والتأثير لقراءة حقبة محمد شياع السوداني.

ولا ينبغي أن يكون المحور تكريماً بروتوكولياً أو مناسبة لتبادل كلمات الإشادة، بل منصة عربية جادة يشارك فيها مسؤولون وخبراء واقتصاديون وإعلاميون، لمناقشة تجربة العراق خلال تلك المرحلة، وما حملته من محاولات للانتقال من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء اتجاه استراتيجي طويل المدى.

ويمكن أن يحمل المحور عنوان:

«العراق في حقبة محمد شياع السوداني: السيادة والتنمية والتحول من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة»

ويقدم قراءة موضوعية في طريق التنمية، وميناء الفاو الكبير، والبنى التحتية، والإصلاح المالي والمصرفي، والعلاقات الخارجية، ومكافحة الفساد، ومستقبل المشروعات التي أُطلقت خلال تلك الحقبة.

إن قيمة التكريم الحقيقي لا تأتي من شكل الوسام، بل من عمق القراءة التي تسبقه، ومن الوثيقة التي تبقى بعد انتهاء الحفل.

الفيلم الذي تحتاجه الذاكرة العراقية

في هذا السياق، يكتسب مشروع الفيلم الوثائقي:

«العراق: خريطة طريق للسيادة – حقبة محمد شياع السوداني»

أهميته بوصفه مشروعاً لتوثيق الدولة، لا فيلماً تعريفياً عن حكومة سابقة، ولا إعلاناً سياسياً لشخصية عامة.

فالمشروع المقترح لا ينطلق من فكرة جمع الإنجازات وعرضها بطريقة احتفالية، بل من محاولة بناء مرجع بصري يربط المشروع بصاحب القرار، والقرار بظروفه، والنتيجة بالعقبات التي سبقتها.

إنه فيلم عن العراق في مرحلة حاول خلالها أن يعيد تعريف دوره الاقتصادي والسياسي، وعن حكومة سعت إلى الانتقال من إدارة الملفات اليومية إلى إطلاق مشروعات تمتد نتائجها إلى سنوات وعقود لاحقة.

وسيكون نجاح الفيلم مرهوناً باستقلال لغته، وقوة وثائقه، وتنوع شهاداته، وابتعاده عن المبالغة، وقدرته على الفصل بين التوثيق والترويج.

فالدعاية تبحث عن التصفيق في لحظتها، أما التوثيق فيبحث عما سيبقى بعد أن تهدأ الأصوات وتتغير المواقع.

معركة الذاكرة تبدأ بعد انتهاء المسؤولية

لا ينبغي تحويل محمد شياع السوداني إلى شخصية فوق النقد، ولا إعفاء حكومته من مسؤولية ما تعثر أو تأخر أو أخفق.

لكن العدالة تقتضي أيضاً ألا تُترك تجربته تحت رحمة الخصومات السياسية، أو تختزل في حملة إعلامية أو موقف حزبي أو واقعة منفردة.

لقد أطلقت حكومته مشروعات ستحتاج إلى سنوات وربما إلى حكومات متعاقبة حتى تكتمل نتائجها. وإذا نجحت هذه المشروعات مستقبلاً، يجب ألا تضيع المرحلة التي اتُّخذت فيها قراراتها الأولى. وإذا تعثرت، يجب أن تُعرف أسباب التعثر ومسؤولية كل مرحلة عنها.

لهذا لم يعد السؤال مقتصراً على ما أنجزه السوداني خلال وجوده في رئاسة الحكومة، بل أصبح:

من سيحفظ رواية هذه المرحلة، ومن سيشرح للأجيال المقبلة لماذا اتُّخذت قراراتها الكبرى، وما الذي تحقق منها، وما الذي بقي، وأين كانت نقاط القوة وأين ظهرت مواطن الخلل؟

إن الدول الراسخة لا تترك تاريخها للأخبار المتفرقة، ولا تبدأ كتابة روايتها بعد غياب شهودها.

والقيادات التي تريد أن تكون جزءاً من ذاكرة الدولة لا تكتفي بصور الافتتاح، بل تترك وراءها وثائق قادرة على الصمود أمام النقد والزمن.

وقد يختلف العراقيون طويلاً بشأن تقييم محمد شياع السوداني، وهذا حق مشروع وطبيعي.

لكن قبل أن يختلفوا، يجب أن تكون أمامهم رواية مكتملة ومنصفة.

وهنا تتكامل أهمية المحور المقترح في قمة القاهرة مع مشروع الفيلم الوثائقي؛ فالأول يفتح باب القراءة العربية والحوار الموضوعي، والثاني يحفظ الوقائع والشهادات والمشروعات في ذاكرة بصرية طويلة الأمد.

إنها ليست دعوة إلى صناعة صورة مثالية، بل إلى منع ضياع مرحلة عراقية مهمة بين المبالغة والإنكار.

فالحقبة التي لا تكتب روايتها في الوقت المناسب، سيكتبها لاحقاً خصومها، أو ترويها ذاكرة ناقصة لا تحفظ من التاريخ إلا ما سمح به ضجيج السياسة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى