ثقافة وفنونعاجل

جمهور القلعة يتفاعل مع التهامى ..أكاد من فرط الجمال اذوب

تقرير:دينا دياب

في تلك الليلة التي غلفتها نسمات القلعة العتيقة، بدت القاهرة وكأنها تحتفل بالروح قبل أن تحتفل بالموسيقى، فامتلأت مدرجات محكى القلعة عن آخرها بجمهور جاء من كل المحافظات، يحمل في قلبه شغفًا صادقًا لملاقاة شيخ المنشدين ياسين التهامي، ذلك الصوت الصوفي الذي صار مرادفًا لحالات الوجد والسلطنة الروحانية في الوجدان المصري. لم يكن مجرد حفل موسيقي يضاف إلى سجل مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء في دورته الثالثة والثلاثين، بل كان أقرب إلى رحلة جماعية في فضاء الروح، حيث التقت القلوب على كلمة واحدة، وتجاوبت الحناجر مع كل شطرة إنشاد، حتى ذابت النفوس من فرط الجمال.

منذ اللحظة الأولى التي صعد فيها ياسين التهامي إلى المسرح، ساد المكان صمت مهيب، كأن الجميع يدرك أنه على موعد مع حالة لا تتكرر كثيرًا. جلسته المتواضعة على الكرسي الخشبي البسيط، وابتسامته الخجولة، وصوته الذي انطلق قويًا عذبًا يحمل أصداء التاريخ، جعلت الجمهور يعيش لحظة تماهٍ نادرة. كلماته التي تنحدر من أعماق التراث الصوفي لم تكن مجرد أبيات شعرية تقال، بل كانت مفاتيح لعوالم داخلية، تدعو المتلقي إلى التأمل والانغماس في حب إلهي يسمو فوق كل ما هو أرضي. ومع كل بيت كان يعلو الصدى في النفوس، حتى بدت القلعة، بوقارها وحضورها التاريخي، وكأنها تردد خلفه ترانيم العشق الإلهي.

الجمهور لم يكن مجرد مستمع صامت، بل تحول إلى جزء من الجوقة الروحية، يردد معه الأناشيد ويهتف من أعماق وجدانه. حين صدح التهامي بإنشاد “أكاد من فرط الجمال أذوب”، و

الأنوار البسيطة التي أضاءت المسرح أضفت لمسة من القداسة على المشهد، والهواء الذي كان يهب من فوق أسوار القلعة حمل الأصوات بعيدًا ليعيدها كأصداء تتردد في جنبات المكان. هذه الأصداء كانت كأنها رسائل خفية، تذكر الجميع بأن الفن قادر أن يعلو على الضجيج اليومي وأن يمنح الإنسان فرصة للسمو.

لم يكن الأمر مجرد عرض فني، بل كان احتفالًا بالروح. فمن اعتاد أن يسمع التهامي يدرك أن صوته ليس صوتًا فرديًا، بل هو وعاء لتراث طويل من الابتهالات الصوفية التي تربط الأرض بالسماء.

 الأمسية بدأت بفقرة موسيقية للموسيقار عمرو سليم الذي عزف على البيانو مقطوعات من كنوز الموسيقى الشرقية، فأعاد إلى الذاكرة ألحان بليغ حمدي وزكريا أحمد وغيرها.

امتلأت القلعة بجمهور كامل العدد، ورغم الزحام، ساد نوع من النظام غير المعلن، إذ بدا أن الجميع متفق على أن يترك المكان ليتحول إلى ساحة وجد جماعي.

ومع نهاية الليلة، حين ختم التهامي بأبيات حملت معاني الفناء في المحبة الإلهية، وقف الجمهور مصفقًا طويلاً.

يذكر أن فعاليات المهرجان تستمر حتى ٢٣اغسطس برئاسة الدكتور علاء عبد السلام.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى