الأخبارثقافة وفنونعاجل

من مسلّة حمورابي إلى مجلس القضاء الأعلى… العراق يكتب ملحمة العدالة على شاشة السينما

د. دينا دياب تكتب:

«ميزان تحت النار»… مشروع سينمائي وثائقي برؤية إبداعية استثنائية، يستحضر أربعة آلاف عام من الإرث القانوني لبلاد الرافدين، ويوثّق تجربة القضاء العراقي المعاصر والمسيرة القضائية والوطنية للدكتور فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى.

قبل نحو أربعة آلاف عام، قدّمت بلاد الرافدين للبشرية واحدةً من أبرز المدونات القانونية في التاريخ، حين نُقشت شريعة الملك حمورابي على مسلّته الشهيرة، لتبقى شاهداً خالداً على حضارة جعلت من القانون والعدالة أساساً لتنظيم المجتمع وصون الحقوق.

ومن هذه الأرض التي أسهمت في تأسيس الفكر القانوني الإنساني، تنطلق اليوم فكرة سينمائية رائدة بعنوان «ميزان تحت النار»، تعيد وصل الماضي الحضاري للعراق بحاضره القضائي، في معالجة فنية طموحة تنتقل من مسلّة حمورابي إلى مجلس القضاء الأعلى، لتروي حكاية وطن امتد فيه تاريخ العدالة عبر آلاف السنين.

في قلب هذا العمل السينمائي، تبرز شخصية القاضي الدكتور فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، بوصفها محوراً أساسياً في قراءة واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.

فقد امتدت مسيرته من العمل في المحاكم إلى قيادة المؤسسة القضائية، وسط تحولات سياسية وأمنية ودستورية استثنائية شهدها العراق، ولا سيما بعد عام 2003، بما حملته من تحديات الإرهاب والجريمة المنظمة والأزمات الدستورية وتعقيدات بناء الدولة.

وفي خضم هذه الظروف، برز الدكتور فائق زيدان بحضوره القضائي والمؤسسي، ودوره في الدفاع عن استقلال السلطة القضائية، وترسيخ مكانتها الدستورية، وتأكيد سيادة القانون والاحتكام إلى القضاء في معالجة القضايا والخلافات الكبرى.

ولعلّ ما يمنح تجربته خصوصيتها التاريخية أنها ارتبطت بمرحلة كانت فيها العدالة أمام اختبارات حاسمة، وكان الحفاظ على هيبة القضاء واستقلاله مسؤولية وطنية تتطلب الحكمة والثبات والقدرة على مواجهة التحديات.

إن «ميزان تحت النار» لا يقدّم سيرة تقليدية لرئيس مجلس القضاء الأعلى، بل يوثّق مسيرة شخصية قضائية مؤثرة، ارتبط حضورها بواحدة من أهم مراحل التحول في تاريخ العراق المعاصر.

«ميزان تحت النار»… إبداع سينمائي يتجاوز حدود التوثيق

تتجلّى فرادة الفكرة الفنية في تحويل التاريخ القضائي إلى ملحمة سينمائية تجمع بين عظمة الحضارة العراقية، وهيبة المؤسسة القضائية، والتجربة الإنسانية والمهنية للدكتور فائق زيدان.

ومن خلال معالجة بصرية متقدمة، يوظّف المشروع الوثائق التاريخية والأرشيف والشهادات والمواقع الحضارية، ليعيد بناء الأحداث بلغة سينمائية تجمع بين العمق التاريخي والتشويق الدرامي والقيمة المعرفية.

ولا يقتصر العمل على استعراض الوقائع والإنجازات، بل يتناول تطوّر القضاء العراقي، والتحديات التي واجهها مجلس القضاء الأعلى، ودوره في حماية استقلال السلطة القضائية ومواجهة الإرهاب والجرائم الكبرى والتعامل مع الأزمات القانونية والدستورية.

وتكمن القيمة الإبداعية للعمل في أنه ينقل المؤسسة القضائية من حدود الملفات والوثائق الرسمية إلى فضاء السينما العالمية، في تجربة فنية تسعى إلى تقديم تاريخ العدالة العراقية بصورة تليق بعراقة البلاد ومكانة مؤسساتها.

يحمل «ميزان تحت النار» طموحاً يتجاوز العرض المحلي، ليقدّم إلى الجمهور العربي والدولي تجربة القضاء العراقي، من خلال مشروع سينمائي بمواصفات فنية عالمية، مؤهّل للتواصل مع المهرجانات الدولية والمنصات الوثائقية الكبرى.

فالعالم الذي يعرف حمورابي ومسلّته بوصفهما من أبرز رموز التاريخ القانوني، يستحق أن يتعرّف أيضاً إلى التجربة القضائية العراقية المعاصرة، وإلى المسيرة القيادية للدكتور فائق زيدان، وما رافقها من مسؤوليات وتحديات في واحدة من أعقد مراحل تاريخ العراق الحديث.

إن هذا المشروع ليس مجرد إنتاج فني، بل مبادرة ثقافية ووثيقة وطنية ذات أبعاد تاريخية وسيادية، تهدف إلى حفظ الذاكرة القضائية العراقية وتقديمها للأجيال بلغة الصورة والفن والتاريخ.

بين حمورابي الذي نُقشت أحكامه على الحجر قبل آلاف السنين، والدكتور فائق زيدان الذي يقود مجلس القضاء الأعلى في العراق المعاصر، تمتد رحلة حضارية تتغيّر فيها الأزمنة والمؤسسات، وتبقى العدالة قيمةً مركزية في بناء الدول وصون المجتمعات.

«ميزان تحت النار» ليس مجرد فيلم عن القضاء، ولا توثيقاً لمسيرة رجل فحسب؛ إنه رؤية سينمائية كبرى تستحضر عظمة الماضي، وتوثّق تحديات الحاضر، وتمنح تجربة القضاء العراقي المعاصر حضوراً في ذاكرة السينما والتاريخ.

فإذا كانت مسلّة حمورابي قد حفظت للعالم جانباً من ذاكرة القانون في بابل القديمة، فإن «ميزان تحت النار» يطمح إلى أن يحفظ للأجيال شهادةً سينمائية عن القضاء العراقي الحديث، وعن مرحلة استثنائية برزت فيها قيادة الدكتور فائق زيدان في قلب التحولات الكبرى للدولة.

ومن مسلّة حمورابي إلى مجلس القضاء الأعلى… تبقى بلاد الرافدين أرضاً صنعت تاريخ القانون، ويستحق قضاؤها أن تُروى حكايته للعالم.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى