الأخبارعاجل

د.قيس الرضوانى يكتب/العراق يواجه إرث “داعش” برؤية دولة.. يقودها خبير الشئون الاستراتيجية سعيد الجياشي

الهول.. المعركة التي لا تُرى

     في عالم تتصدّره الصور الصاخبة للحروب والانهيارات، قلّما يحظى العمل الهادئ والرصين بما يستحقه من تقدير. وبينما انشغل العالم بمخيم الهول السوري كمجرد ملف إنساني شائك، أدركت الدولة العراقية أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخيام، بل في الذهنية المتروكة خلفها.

هكذا وُلدت رؤية استراتيجية عراقية لمعالجة هذا الملف، تجاوزت فكرة الترحيل أو التسكين، إلى ما هو أعمق: تفكيك جذور التطرف، وإعادة بناء الإنسان العراقي، في واحدة من أعقد المعارك النفسية والاجتماعية في مرحلة ما بعد “داعش”.

وفي قلب هذه الرؤية، برز اسم الدكتور سعيد الجياشي، المستشار في مستشارية الأمن القومي، بوصفه العقل الهادئ الذي أدار ملفًا صامتًا لكنه مفصلي، بتوازن استثنائي بين معايير الأمن، واعتبارات الكرامة الإنسانية.

الهول: ساحة أخرى لمعركة السيادة

   لم يكن مخيم الهول مجرد مخيم نزوح. بل كان، بالنسبة للعراق، ساحة مفتوحة لعدوى عابرة للحدود.

كان يضم عشرات الآلاف من العوائل التي تربطها صلات تنظيمية أو جغرافية أو حتى بالاسم بتنظيم داعش. وتركها هناك لم يكن يعني “الابتعاد عن الخطر”، بل تركه يتخمّر في الظل.

ومع إدراك القيادة العراقية لهذه الحقيقة، وبدعم مباشر من مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، وُضعت خطة وطنية لإعادة العوائل العراقية من المخيم، لكن بشروط الدولة، لا المخيم.

منذ مايو 2021، شرعت فرق رسمية عراقية – أمنية وإنسانية – في تنفيذ عمليات متسلسلة ودقيقة لإعادة العوائل العراقية.

ولم تكن العمليات شكلية، بل مرّت بـ خمس مراحل تحقق استخباري، قانوني، اجتماعي، وصحي، ضمن آلية عُرفت عالميًا بانضباطها ومسؤوليتها.

سعيد الجياشي: بين العقل الأمني والرؤية الإنسانية

لم يكن التعامل مع هذا الملف تقنيًا فقط، بل كان بحاجة إلى عقل يعرف متى يكون الأمن حازمًا، ومتى تكون السياسة ذكية.

هنا برز الدكتور سعيد الجياشي، ليس كمسؤول تنفيذي، بل كمُهندس لرؤية تفكيك التطرف عبر إعادة الاعتبار للإنسان.

بهدوء، وبلا استعراض، أمسك الجياشي بتفاصيل الملف:

من التنسيق مع الجهات الدولية والأممية، إلى تشكيل لجنة عليا داخل العراق، إلى إدارة مركز الأمل للتأهيل النفسي والاجتماعي.

لم يكن يُعيد عوائل إلى بلدهم فحسب، بل كان يردّ العراق إلى نفسه، عبر ترميم ما حاول “داعش” تمزيقه من الداخل.

فلسفة الجياشي كانت واضحة:

“نحن لا نعيد إرهابيين، بل نعيد نساءً وأطفالًا تم توريطهم في حرب لم يختاروها، ونمنحهم فرصة جديدة ليكونوا جزءًا من عراق جديد.”وفي كل دفعة عائدة، كان يُؤسَّس لنموذج مغاير:عراق لا ينتقم، بل يُحاسب.

عراق لا يترك أبناءه خلف الحدود، بل يواجه الحقيقة ويصنع منها خلاصًا وطنيًا.

مركز الأمل: من خيمة النزوح إلى جدار الاستقرار

لم تكن خطة العراق مجرد إعادة أشخاص، بل إعادة هندسة اجتماعية لمرحلة ما بعد الحرب.

فتم إنشاء مركز “الأمل” جنوب الموصل، ليس كملاذ للعائدين، بل كأول مشروع عربي لإعادة بناء الوعي بعد التطرف.

يضم المركز مؤسسات حكومية وأمنية وصحية، ومنظمات دولية كاليونيسف والصحة العالمية.

ويخضع فيه العائدون لتأهيل نفسي، إصدار مستمسكات جديدة، تعليم الأطفال، علاج الصدمات، دراسة الحالات الاجتماعية، قبل دمجهم في مجتمعاتهم الأصلية.

أكثر من 4450 عائلة عادوا حتى منتصف 2025، خضع معظمهم لبرامج التأهيل، وتمت إعادة دمجهم بقرارات سيادية وبمرافقة مجتمعية كاملة.

إنه أول مشروع إدماج ما بعد التطرّف يُبنى بيد وطنية وبسيادة كاملة.

رسالة العراق إلى العالم: لا مفرّ من مواجهة الحقيقة

ما فعله العراق، بقيادة أمثال الدكتور الجياشي، ليس مجرّد إجراء داخلي، بل رسالة سيادية إلى العالم:

“الهروب من مواجهة ملف التطرف لا يصنع سلامًا… بل يترك الحريق مشتعلاً تحت الرماد.”

وفي وقت امتنعت فيه دول كثيرة عن استعادة مواطنيها، تحمّل العراق مسؤولية مواطنيه وأعادهم.

لم يكن ذلك ترفًا سياسيًا، بل قرارًا سياديًا نابعًا من فلسفة الدولة.

ولهذا يحظى الملف بمتابعة مباشرة من مكتب رئيس الوزراء، ويُنظر إليه على أنه إحدى أبرز قصص النجاح في معالجة آثار الإرهاب بإرادة وطنية.

ختامًا: السيادة لا تُقاس بالحدود فقط… بل بالقدرة على استيعاب الألم وتحويله إلى أمل.

ما بين الهول ومركز الأمل، وبين الملفات الأمنية وبين قصص الأطفال العائدين إلى المدارس، تسير الدولة العراقية نحو تجاوز واحدة من أكثر التحديات حساسية في تاريخها الحديث.

ويظل الدكتور سعيد الجياشي نموذجًا لرجال الدولة الذين يعملون في الظل، لكنهم يحركون مفاصل الوطن في الضوء.

لا يرفعون الشعارات، بل يبنون الأنظمة.

ولا يخوضون المعارك بصخب، بل ينتصرون بالصبر والعقل.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى