في الأزمنة التي تتداخل فيها الأصوات وتضيع فيها البوصلة بين الغلوّ والضياع، يبعث الله في الناس رجالًا لا تُرى عظمتهم في ألقابهم، بل في أثرهم الخفيّ الذي يشبه المطر، يروي الأرض بصمتٍ ويوقظ البذور من سباتها.
ومن بين هؤلاء، يسطع اسم الدكتور أحمد جميل المدرّس، لا كإداريٍ في مؤسّسةٍ دينية، بل كحارسٍ للمعرفة، وسادنٍ لفكرٍ أراد له أن يكون جسرًا بين العقل والروح، بين التراث والنهضة، بين الإيمان والإنسان.
من كركوك… حيث بدأ النور
في كركوك، تلك المدينة التي تختصر العراق كلّه في فسيفساء من الأديان والألسنة، تولّى أحمد المدرّس قيادة الوقف السني، فحوّل المنصب من إدارةٍ إلى رسالة، ومن روتينٍ إداري إلى مشروع وطنيٍّ يزرع الوعي ويهزم الظلام.
في أيامٍ كانت المساجدُ تُغلق خوفًا، والخطبُ تُساق إلى الغلوّ، وقف المدرّس كصوتٍ نادرٍ يذكّر بأنّ المنبر ليس منبر صراعٍ، بل منبر نور.
بقراراته الجريئة ومواقفه الراسخة، أبعدَ عن الخطاب الديني شوائب السياسة، ونقّى رسالته من سموم التطرّف.
لقد أدرك أنّ الإصلاح لا يبدأ من الحاكم ولا من الشارع… بل من الكلمة، من ذاك الصوت الذي يخرج من قلب الإمام ليبلغ ضمير الأمة.
ومن هناك، كتب أول فصوله في تاريخ الوسطية العراقية، حين جعل المسجد مدرسةً للوطن، والخطبة جسرًا للضمير الجمعي.
من بغداد إلى أربيل… عبورٌ نحو المعنى
بعد أن أنهى مهمته في كركوك، انتقل إلى بغداد، ثم إلى أربيل، ليُسند إليه ديوان الوقف السني إدارة مركز وعي للاستشارات وبناء القدرات.
ومنذ أن أمسك بزمام هذا المركز، تحوّل المكان من مبنى رسميٍّ إلى فضاءٍ تتلاقى فيه الأرواح الباحثة عن النور.
في قاعاته، تختلط لغة الفكر بعبير الإيمان، ويجتمع الباحث إلى جوار الإمام، لا ليتجادلا، بل ليتكاملا.
تحت قيادته، لم يعد “وعي” اسمًا لمؤسسة، بل أصبح فلسفةَ حياة، تؤمن بأن العلم عبادة، وأنّ النهضة لا تُولد من الفتاوى وحدها، بل من الفكر الحرّ، والحوار الراقي، والعودة إلى جوهر الإنسان.
المكتبة التي تتنفّس
في مشهدٍ يليق بالرموز، نقل المدرّس عشرين ألف كتابٍ من بغداد إلى أربيل، ليؤسّس المكتبة المركزية لمركز وعي، ويُعيد للكتاب مكانته كجسرٍ بين الأجيال.
وقف يوم افتتاحها يخاطب الحاضرين بنبرة العارف قائلاً:
“ليست الكتب أوراقًا تُقلب، بل أرواحٌ تُنيرنا، وكلّ كتابٍ فيها بذرة وعيٍ تُزرع في قلبٍ عطِشٍ للمعرفة.”
كان يؤمن أن الورق لا يموت، بل يُبعث فيمن يقرأه، وأنّ الأمة التي تُحب الكتب لا تعرف الفناء.
وهكذا جعل من مكتبة وعي وقفًا للعلم، لا يقل قداسةً عن الأوقاف الدينية التي شيّدها السالفون.
تكريم الوعي… لا المنصب
نال مركز وعي، في ظل إدارته، تكريمًا من رئاسة إقليم كردستان ومن ديوان الوقف السني في بغداد، تقديرًا لجهوده في ترسيخ الفكر المعتدل ونشر ثقافة التنوير الديني.
لكنّ أحمد المدرّس لم يحتفِ بالمجد الشخصي، لأنّ المجد عنده لا يُقاس بالتصفيق ولا بالأوسمة، بل بقدرة الفكرة على أن تترك أثرًا في ضمير الزمن.
وحين سُئل عن التكريم، قال في تواضع العارف:
“الوعي لا يُكرَّم، بل يُزرَع، ومتى أزهرت ثماره في عقول الناس، كان ذلك أعظم وسامٍ يمكن أن يُهدى لرجلٍ في خدمة الفكر.”
سلالة العلم والنور
ينتمي أحمد المدرّس إلى بيتٍ علميٍّ عريقٍ عُرف في العراق وكردستان بلقب بيت المدرّس، البيت الذي أنجب علماء ومفتين حملوا مشاعل العلم من الحضرة القادرية إلى منابر المساجد.
فيه يجتمع إرثُ الشيخ عبد الكريم المدرّس، مفتي العراق وعالم كردستان الكبير، مع الجيل الجديد من أبنائه الذين آمنوا أنّ الإصلاح لا يأتي من السيف، بل من القلم.
وهو الامتداد الحيّ لذلك الإرث؛ ابن مدرسةٍ جعلت من التدريس عبادة، ومن العلم طريقًا إلى الله.
منهج الروح والعقل
في عالمٍ يزداد ماديّةً، اختار أحمد المدرّس طريقًا مختلفًا: طريقًا يُعيد للدين إنسانيته، وللعلم روحانيته.
يخاطب الشباب بلغةٍ يفهمونها، لا بوصايا تقطعهم عن الحياة، بل بدعوةٍ تُعيدهم إلى جوهرها.
وهو يرى أنّ الاعتدال ليس حيادًا، بل شجاعة؛ وأنّ الفكر لا يُخيف الإيمان، بل يرفعه إلى وعيٍ أسمى.
رجلٌ من زمن الرسالة
هكذا يبدو أحمد المدرّس…
رجلٌ يحمل في ملامحه هدوءَ العلماء، وفي عينيه قلقَ المصلحين، وفي كلماته أثرَ من يكتب بنور لا يُطفأ.
ليس سياسيًا ولا خطيبًا، بل حارسُ معنى في زمنٍ يتلاشى فيه المعنى.
من كركوك إلى أربيل، ومن المنبر إلى الفكر، ظلّ يؤمن بأنّ الله لا يُعبد بالطقوس وحدها، بل بالعقل الذي يراه، والضمير الذي يعرفه.
حين يلتقي العلم بالإيمان، يُخلق الوعي… وحين يُخلق الوعي، تنهض الأمم
بهذه القناعة يسير أحمد المدرّس، لا كمديرٍ لمركزٍ، بل كمنارةٍ تمشي على الأرض، تنثر النور حيث يمرّ، وتترك أثرًا لا يُمحى في سفر الوعي العراقي الحديث.