دينا دياب تكتب /أقليم كردستان بلا رواتب… والعراق يُعيد إنتاج القهر باسم الدستور
2025/06/07 12:21:26 صباحًا
Oplus_0
خلال متابعتي لأوضاع إقليم كردستان العراق في الآونة الأخيرة، تابعتُ بحزن وأسى القرار الصادم الذي اتخذته الحكومة العراقية بتأخير تمويل رواتب موظفي الإقليم. إن هذا القرار ليس مجرد إجراء إداري، بل هو انتهاك صارخ لأبسط حقوق الإنسان، يفاقم معاناة آلاف الأسر التي تعتمد على هذه الرواتب لتأمين احتياجاتها الأساسية.
إن تجويع الشعوب وحرمانهم من حقوقهم الأساسية لا يختلف عن ويلات الحروب، بل هو شكل آخر من أشكال القهر الذي تمارسه السلطات ضد شعبٍ عُرف بثباته وصموده أمام كل محاولات الإقصاء والتهميش. كيف يمكن للعالم أن يقف مكتوف الأيدي أمام هذه الأزمة بينما إقليم كردستان لم يكن يومًا طرفًا ساعيًا للصراع، بل لطالما كان محورًا فاعلًا في إيجاد حلول لمشكلات الشرق الأوسط؟ من خلال مؤتمراته ومنتدياته وعلاقاته الدبلوماسية، أثبت الإقليم أنه شريك حقيقي في صناعة السلام، وليس ساحة للانتقام السياسي.
على مدار التاريخ، لم يكن الظلم الذي تعرض له الشعب الكردي مجرد لحظة عابرة، بل كان سلسلة متواصلة من التهميش والاضطهاد. ومع ذلك، لم يتراجع الكرد عن المطالبة بحقوقهم والتمسك بهويتهم، بل ظلوا صامدين في مواجهة كل محاولات الإنكار والتهميش. ومنذ أن تولى الزعيم مسعود بارزاني رئاسة الإقليم، كان الصوت الأعلى المدافع عن هذه الحقوق، مؤمنًا بأن تحقيق المطالب يجب أن يتم عبر السياسة والدبلوماسية. لقد رسم خططًا متعددة وسعى في مختلف المحافل لإيجاد حلول عادلة لمطالب شعبه، ولم يتوقف يومًا عن خوض صراعات سياسية مع بغداد لضمان حقوق كردستان، خاصة في قضية الرواتب التي لطالما كانت محورًا للجدل.
أن يحرم آلاف الموظفين من قوت يومهم بقرار إداري جائر، فهذا ظلمٌ لا يمكن قبوله أو السكوت عنه. إن وقفة الشعب الكردي أمام هذه الأزمة ليست جديدة، بل هي امتداد لنضالٍ طويل خاضه هذا الشعب بإصرار وعزيمة، وما زال مستعدًا للمثابرة حتى تُنتزع حقوقه بالكامل.
وفي خطوة تنم عن حكمة بالغة، قررت مؤسسة بارزاني الخيرية نقل ملف قضية رواتب موظفي إقليم كردستان إلى الأمم المتحدة، وهو قرار يعكس إدراكًا عميقًا بأن هذه القضية لا تقتصر على خلاف داخلي فحسب، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمجالس حقوق الإنسان العالمية. فقد أشارت المؤسسة في بيانها إلى أن هناك صراعات قانونية ودستورية مستمرة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، حيث لم يتم تنفيذ العديد من مواد الدستور العراقي، مما أدى إلى تفاقم الأزمات.
كما وصفت المؤسسة في بيانها أن ما يحدث هو “حرب نفسية” ضد شعب كردستان، وهو أمر أتفق معه تمامًا، إذ يكفي العالم خلافات ومشكلات مصطنعة تستهدف المدنيين وأسرهم وأطفالهم، وتحرمهم من أبسط حقوقهم. لا يمكن أن تستمر هذه المعاناة، ولا يجب أن يقف المجتمع الدولي متفرجًا على هذا الظلم المتكرر، الذي لا يختلف عن أساليب الضغط والقهر المستخدمة في الحروب ضد الشعوب المسالمة.
وبمرارة، تابعت تصريحات الزعيم مسعود بارزاني، الذي كان على مرّ التاريخ صوتًا للحكمة والسلام، وهو يعبر عن حزنه العميق إزاء هذه الظروف المأساوية التي يمر بها الإقليم. أن يصل به الأمر إلى أن يُعلن عدم قدرته على الاحتفاء بعيد الأضحى المبارك بسبب معاناة أبناء كردستان، فهذا أمرٌ محزنٌ ومخجل في آنٍ واحد.
وكما قال بارزاني: “فلينظر من يعادون إقليم كردستان وشعبه إلى التاريخ ويستخلصوا منه العبر، لقد قاوم شعب كردستان بصمود وشجاعة أمام كل أنواع الضغوط والاستبداد وحقق النصر على المعتدين والمجرمين، وكان الندم من نصيب الطغاة.”
كلماتٌ تضع التاريخ في مواجهة الظلم، وتذكر الجميع بأن شعب كردستان ليس شعبًا يقبل الإذلال أو الاستسلام، بل هو شعبٌ خبرَ معارك الحقوق عبر الزمن، ووقف بشجاعة أمام التهديدات، ولم يتراجع يومًا عن الدفاع عن هويته وحقوقه المشروعة.
إن ما يجري اليوم ليس إلا محطة أخرى في معركة طويلة، معركة صبرٍ ومثابرة، سيخوضها الشعب الكردي حتى يُنتزع حقه، تمامًا كما انتزع حقوقه في الماضي رغم كل الظلم الذي تعرض له. ويبقى السؤال: إلى متى سيستمر هذا الظلم في القرن الحادي والعشرين، حيث من المفترض أن يكون العدالة والحقوق هي جوهر الدول الحديثة؟